ابن عربي

139

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

بد من صفات تكون في القلب تعطى حالة استهزاء ، وهي مشورة عند القوم ، وقوله : مستخفيا ، يقول في الغيب معتجرا إشارة إلى الحجب معرضا ، يقول : ينبه على الصفة التي حجبته عني ، وقوله : ما ضرّ في تعجيره يقول : لا أنكر الحجب فإنه لا بد منها ، وإنما الضرر الذي وجدته في الإعراض فعلمت أنّ عندي صفة تقتضي ذلك الإعراض ، ولا أدري ما هي فأزيلها إلا أن ينبهني اللّه عليها ويوفقني إلى معرفتها فأسعى في زوالها فيكون القبول . [ خطاب داعي الحق للهمم الطالبة معرفته وشهوده ] وقال رضي اللّه عنه : يا حادي العيس بسلع عرّج * وقف على البانة المدّرج ونادهم مستعطفا ، مستلطفا : * يا سادتي ! هل عندكم من فرج برامة ، بين النّقا وحاجر * جارية مقصورة في هودج يخاطب داعي الحق للهمم الطالبة معرفته وشهوده ، وقوله : بسلع ، يريد بمقام الإحرام اليثربي عرّج ؛ أي أقبل ، وقوله : وقف على البانة ، يقول : وأظهر لي في مقام القيومية والعطف بالمدرج ، يقول : على التدريج لا تلقي إليّ الأمر دفعة واحدة فأهلك ، لكن حالا بعد حال ومقاما بعد مقام مخافة الدهش والحيرة ، وقوله : ونادهم ، يريد الأسماء الإلهية بلسان الاستعطاف والاستلطاف هل عندكم من فرج ؛ أي من شفاء لما نالني في هواها ، وقوله : برامة ، منزل من منازل التجريد والتفريد ، وقوله : بين النقا وحاجر ، يقول : بين الكثيب الأبيض وبين الحجاب الأحمى المحجوب على القلوب ينله جارية ، يقول : معرفة ذاتية أحدية مقصورة محبوسة في هودج ، يقول : يشار بها ، أي أنها في قلوب العارفين والقلوب لها كالهوادج ومراكب القلوب كالإبل تحت الهوادج ، ثم أخذ يصف هذه المعرفة الذاتية . يا حسنها من طفلة غرّتها * تضيء للطّارق مثل السّرج لؤلؤة مكنونة في صدف * من شعر مثل سواد السّبج يقول : يا حسنها من طفلة ، أي ما أنعمها وغرتها تجليها في نورها تضيء للطارق الآتي ليلا ، يريد أهل المعارف والإسراءات مثل السّرج ليهتدى بها في ذلك المعراج ، وقوله : لؤلؤة ، أي شريفة مكنونة ، يقول : محجوبة في صدف من شعر في حجاب الغيب المشعور به ، ولهذا يصح طلبها لأنه ما لا يشعر به لا يصح أن يطلب ولا تتعلق به همة ، ثم قال : لؤلؤة غوّاصها الفكر ، فما * تنفكّ في أغوار تلك اللّجج يحسبها ناظرها ظبي نقا * من جيدها وحسن ذاك الغنج يقول : إنّ الفكر يغوص في لجة بحرها ليستخرج هذه اللؤلؤة ، وهي لا تخرج